تباريح قلب ولواعج حزن

140

بالأمس أرسل لي الأخ المهندس جعفر الشايب بوستر باسم “منتدى الثلاثاء”، عنوانه (اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف) وتحت شعار (معًا لنشرك الناس في حماية الأرض واستصلاحها) وهو المصادف لهذا اليوم 17 يونيو. وخلفية البوستر أرض متصدعة من شدة الجفاف وفي الأفق تقف شجيرة أغصان بلا أوراق، وفي الأمام يمينًا خشخاشة أرض مصفرة من اليباس، وبعد بحث واستقصاء عرفت أنه يوم عالمي من أيام الأمم المتحدة، يهدف لتعزيز الوعي بالتصحر؛ كونها أكبر التحديّات البيئية التي تواجهنا في أيامنا هذه. قلت في خاطري وأنا أتهجى شعار هذا العام، وأتأمل واحة القطيف بين الأمس واليوم والتي كانت صرحًا من خيال، وأتساءل عن أي أناس تشترك معًا في استصلاح الأرض؟، تركت كل شيء وتناهت في خيالي أطياف وصور لتباريح قلب ولواعج حزن. ألف رحمة على كل الطيبين الذين حرثوا أرض القطيف بسواعدهم السمر، وزرعوها بصبرهم وسقوها بعرقهم ليلًا ونهارًا، نذروا حياتهم شقاء وتضحية.. أنبتوا لنا أشجارًا ونخيلًا وقضبًا. يا بلاد الخط يا أرضنا، يا جارة البحر، يا أنشودة المواويل يا بهجة المحبين، تقيمين في القلب نبضًا وعشقًا وهيامًا، أنت عناق الأخضر وضحكات اللآزورد، يا بهية الحسن يا هبة الماء، باركتك الشمس ونجوم السماء، غنى السمار في لياليك المقمرة، وبزغ الفجر نشوانًا عطرًا، وصدح الطير في سمائك وأسفر، أنت غناء وغنى، أنت لقطاف الثمر عنوانًا، هبت سواعد أهلك لمواسم الحصاد، جنائنك خير وسعة رزق، ترنم الشعر وتهادى الشعراء في وصفك مدحًا وتبجيلًا، وهاموا في هواك عشقًا وغرامًا، يا أرضنا يا فيضنا شبهك كاتب في جريدة اليوم زمن السبعينيات بـ(رئة المنطقة الشرقية)، وقبل هذا الوصف بعقد ونيّف أنشد مطرب جبل العرب (فهد بلان) (الهواء اللطيف في أرض القطيف…)، آه يا أرضنا …. يا أرض الجدود يا أرض الجود، أنت المنفس والمتنفس بعيدة عن روائح النفط ودخان المعامل، غطاؤك الأخضر يفترش الأرض افتراشًا، و”معامير” مزدانة بكل ما تشتهي الأنفس، أشجارًا ونخلًا وأغصانًا تتمايل بظل وظلال، ونسمات عليلة تهب من حدائق فرح بعروش ثمر وسعف، وأشكال أوراق ذات بهجة وأعناب. يا سلة الغذاء أتاك الطامعون والوافدون من البر والبحر، جاؤوك خفاف إيابهم، حطوا رحلهم ليسدوا عجزهم ويواروا سوأتهم، جاءوك حفاة عراة يأكلهم الجوع والحسد، فوجدوا ضالتهم المنشودة ملؤوا قربهم وبطونهم شبعًا وعيونهم مسرات، ورجعوا إلى ديارهم بجر الحقائب.. يا أرضنا تحت ظلالك استراح العاملون من كل جنس ولون، كنت ملاذًا للفارين من صخب المدن المستحدثة في المنطقة. بالأمس عابروا الطريق وطئوا ترابك المبلل بالخيرات، واستطاب لهم الحل والترحال، فالتاريخ يشهد بأنك الواحة الأعرق والأقدم على ضفاف الخليج حضارة وتراثًا، انطلقت من مينائك سفن محملة بالزاد والرماح الخطية، ونفائس اللؤلؤ، وتجارة تمر وعذوق رطب. تتدفق من تحت أديمك عيون وتفيض جداول وسدود، ماء يسري مثل شرايين الدم الباردة، رقراق ينساب من كل صوب وناحية. جاب فضاءك الطير وسبح على أغصانك الريانة، ضحك الزرع وتعانق مع الورد اصطحابًا، وأجسادًا طاب لها المقام تحمما واغتسلا. يا أرضنا يا بهجة الأنفس العليلة يا أنيسة الخلان، يا أرض البساتين والحقول، كل زرع فيك نماء وكل نبتة دواء، ثمارك رخاء بأبدان رشيقة لم تدانيها أمراض العصر، خضرتك الغناء تسر النظر، فجعلت للوجوه بسمة فرح وابتهاجًا، قلوب محبة تلهج حمدا لله وشكرًر، مرسومة على كل الشفاه، والمحيا مشرق رقة وطيبة، هواؤك منعش لا عوادم ولا سموم، نسائم ربيع تهب عليلة على الأرواح. يا واحة كنت ملاذًا للطير من كل صنف ولون، حط الأسراب والأغراب للأتاوة، جزية ملزمة عن الباسقات الراميات لأكوام التمر، زكاة وخمس للقاصي والداني، وللعصافير مواطن أمن بين السعفات وأعشاش بلابل، شواهد عز وافتخار بخرير ماء وحفيف أشجار وأنغام أصوات مناجل، سيمفونية عذبة آنستنا عشقًا لألحان الألفة والمودة، وظلال وارفة أسبغتنا رقة وتسامحًا وطيبة، غابات نخيل على مد البصر بمحاذاة سواحل القرم، حرستنا من الغبار والبداوة وحصنتنا من السنين العجاف. كم نادينا بأعلى الأصوات يا عمتنا أيتها الشامخة زيدينا رطبًا جنيًا، كنت حصنًا حصينًا تتبعيننا كظلنا من المهد إلى اللحد، فكل جزء منك حاجة واستفادة، يا عمتنا يا مهجتنا ما حاجتنا اليوم لك؟! فقد جار علينا الزمان وأهله وقبرناك أرضا بعد أن تكالب علينا “هوامير العقار” و”وحوش المال” المستعرة، فقلعناك قسرا وفتكناك حرقا دون هوادة، نحن المتواطئون حين أنبتنا مكانك صناديقنا الأسمنتية، فتطاولنا في البنيان على بعضنا تفاخرًا وعنادًا، أقمنا أسوارنا العالية، وبكل حسرة أصبحت نوافذنا والأبواب مؤصدة، كل في داره يتنفس الوحدة والرفاه المصطنع، تحاصرنا ادعاءات التحضر والتمدن. نعم كان أمسنا أنسًا بتلاوين المساحات الخضراء والزرقاء، سعادة ما بعدها سعادة ترفلنا بصيد وفير وثمر كثير باعتماد واكتفاء، لا نجوع ولا نعرى، حيث البحر له حكاية وألف عطايا يجود علينا بخير وزهيريات ومواويل، نافس الزرع والكلأ، هو الآخر انتقمنا منه دفنا على دفن! هل نحن قوم نرفس النعم ولا نقيم للهبات الربانية أي وزن؟ أما نتلوا في الكتاب آيات تعظيم للنخل والزرع وصنوف الفواكه؟ أم أن المسألة مجرد ترديد السنة وعلى قلوب أقفالها؟ هل أغوانا الزمان أم نحن أسارى لبناء المنازل؟ أعمانا هوس التمدد العمراني وأخذنا شر مفسدة، أفسدنا بيئتنا بأيدينا، اقتلعنا النخل والشجر وذبحنا القرم، وحرقنا الورد والرياحين، دون رأفة أو ذرفة دمع أو ذرة حنين لمن زرعها، هل انقطع وصلنا بأرضنا؟ عبثًا نحتفل بأسبوع الشجرة بطبل وزمر وكشافة، مسيرة خواء وإعلام وهم كاذب، ما أغربنا قتلنا حياة الرخاء وزرعنا أعجاز نخل هامدة بجانب الإسفلت! لم نعد نمشي على العشب ولا على التراب المبلل بالندى، لم نعد نستمد طاقتنا من طين الأرض ولا من رائحة الأولين، لاهية عقولنا نتفاخر بالبنيان تبجحًا، وأصبح بنياننا الاجتماعي غير مرصوص، غابت الألفة، والحميمية انكدرت، قسى القلب وبعدت أجساد من رحم واحد، أخوان كلٍ في واد يهيمون، وجار لا يعرف جاره، غرباء في هذا الزمان المتصحر، أين كنا وكيف أصبحنا (صار قاعنا صفصافًا بعد أن كان ممتلئًا بعماره). يا أرضنا أي اعتذار نقدمه إليك؟ ويا جدود (رحمكم الله) فقد خنا الأمانة. أولادنا لا يعرفون أسماء بساتين النخل ولا أنواع الرطب ولا أصناف السمك؟! طمي البحر أمامهم وأبصارهم ليست خاشعة، فعيونهم أبصرت أعجاز نخل خاوية، فلم يدركوا ما شهدنا، حيث كنا نرى النخلة الواحدة ثلاثًا، النخلة المعطاءة منتصبة تعانق زرقة السماء، وانعكاس صورتها على صفحات ماء، وظلها المتحرك على العشب الأخضر ساعات من نهار، عشنا المسرات فتنة من جمال وحياة من ربيع، والآن أي ربيع ننتظره تساوى كل شيء في اللاشيء، أي قبح فعلناه؟ أصبحنا حتى الخريف نجهله، حياتنا بلا فصول ولا مواسم.. التياع نفس تجتر عوالم فردوسها المفقود وتباريح قلب يعاتب نبضه؟ ظننا أننا مورّثوا تلك الجنائن لأجيالنا القادمة، وشيئًا فشيء، غادرنا كل شيء كحلم ليلة صيف، هجرنا الطير وغادرتنا الفراشات الملونة، لا مواسم (حبال) منتظرة، ولا أيام (صرام) نجنيها، ولا تجارة (سلوق) تدخلنا ربحًا ولا تسويق تمر تذر دخلًا اقتصاديًا مثل الأحساء والقصيم والمدينة المنورة، ولا (فتل) حبال، نشد به أزرنا . لقد أحرقنا أرضنا والمراكب، في عتمة الهوس، هذيان الطفرة أصابنا في مقتل، عبثًا نقلّب الصور لمشاهد أبصرناها سنوات من أعمارنا، رأيناها جنات من أعناب ونخيل، وظنناها تجارة لن تبور وأن خيراتها ستدوم وتدوم ذخرًا للأحفاد وما بعدهم.. بكل صلف قطعنا أعناق النخل وردمنا البحر، وبكل هذيان وجنون دمّرنا رحم الأرض، وقلبنا عاليها سافلها وحوّلنا المساحات الخضراء إلى صحراء وبنينا عليها علبنا الأسمنتية. أضحت واحتنا قصيدة يباب، هل فقدنا بهاءك يا قطيف؟ نخيلات بؤس تتوسط شوارع الأسفلت تموت واقفة، بقايا شجر على الهامش يئن من وحشة الحاضر وضيم الأيام، آهات مكتومة وأنفاس متحشرجة بدمع العين، قلوب غادرها الفرح تنبض بالحنين والأنين والأحزان. ألف رحمة على كل الذين سقطوا من أعالي النخيل ولقوا حتفهم، وتناثرت دماؤهم بين الماء والزرع الأخضر، صدى صرخاتهم تسمع وتقول كيف للقطيف أن تجوع وهي في حضن النخل والبحر؟! ونة عراقية: (يقولون غني بفرح وأنا لهموم غناي بهيمة زرعوني ومشوا وعزوا عليا الماي، نوبة انطفي ونوبة شب.. تاييه بنص الدرب.. تايه واخذني الهوى لا رايحين ولا جاي…. أيقولون أيقولون غني بفرح).

قد يعجبك أيضاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق أقرأ المزيد