عبد الرحمن الوابلي… مثقف عضوي ومناضل حقيقي

353

ناصر القصبي: جمع الراحل بين البساطة والعمق

حديث الكتب – عيسى العيد

عبد الرحمن الوابلي … مثقف عضوي ومناضل حقيقي؛ بهذا التوصيف المختصر تحدث المشاركون في حفل تكريم المرحوم الدكتور عبد الرحمن الوابلي الذي أقامه منتدى الثلاثاء الثقافي قبل سنتين في الدمام، وصدر مؤخرا ككتاب توثيقي تحت سلسلة «من أعلام الوطن» في 120 صفحة.
استطاع المرحوم الوابلي أن يصل أفكاره العميقة والجادة بطريقة بسيطة وسهلة إلى أذهان المتلقين بسلاسة وأحيانا بطرافة، وذلك عبر السيناريوهات المختلفة التي كان يكتبها، لتتحول إلى مشاهد ساخرة وصادمة ومعبرة أمام كاميرا حلقات المسلسلات التلفزيونية المتعددة. فقد عالج بهذه الطريقة الفذة كثيرا من القضايا المجتمعية، والثقافية، والسياسية، بقدراته الكبيرة وخياله الواسع، ودقته الفريدة. فيبرز بذلك قضايا شائكة وحساسة بهدف إبرازها وتلمس المعالجات لها، إذ أنه يفلسف بعض الأمراض الاجتماعية، كالأحادية الفكرية والطائفية والتشدد الديني والطائفية باعتبارها لا تنبع من عقلية متزنة بل نتيجة شحن وتعبئة وتجييش لا عقلاني.
الإصدار يرصد صورا متعددة لهذه الشخصية من خلال شهادات أشخاص رافقوه وتعاملوا معه، وتتبعوا إنتاجه الفكري والفني. فأمام الحشد الثقافي الكبير الذي احتفى به – بعد وفاته رحمه الله – يؤكد المتحدثون والمشاركون في الكتاب أن الرجل كان طوال حياته متفاعلا مع قضايا مجتمعه، ومجسدا لصفاء الروح الإنسانية التي تنبع من شخصيته الثابتة في مواقفها سواء متفقا فيما يطرح أو ناقدا لها.
أخذ الكتاب اتجاهين في الحديث عن شخصية الوابلي، بعد إنساني تناول فيه أخوه الأستاذ عبد الله الوابلي نماذج من اهتمام عبد الرحمن بمختلف القضايا الإنسانية منذ صغره حيث كان يضعف أمام الفقير المحتاج، وأنه عندما كان في أمريكا يواصل دراساته العليا كان يحتضن بعض الطلبة غير السعوديين التي كانت ظروفهم صعبة. وهو ما تناوله أيضا صديقه الأستاذ منسي حسون الذي تحدث بأن المرحوم رغم شهرته في الأوساط الثقافية إلا أنه لا يبحث عن إشادة أو مديح، بل كان يطلب النقد والتوجيه ولا يجد في نفسه حرجا من مناقشة منتقديه بروح متواضعة.
والاتجاه الثاني الذي أخذ حيزا في مادة الكتاب تناول التجربة الثقافية والفكرية لعبد الرحمن الوابلي، فتحدث الفنان ناصر القصبي – الذي عمل معه طويلا – عن تجربته الغنية معه إذ يقول «برز أمامي أشخاص كثيرون يدعون النضال لكن الوابلي كان مختلفا عنهم، فهو مناضل حقيقي غير مدع، كما أنه جمع بين البساطة والعمق بصورة غير عادية، وبالإضافة إلى كثرة التأمل عنده والمرونة في اتخاذ القرار. وفي هذا الصدد يقول استاذ علم الاجتماع الدكتور عبد السلام الوايل في مقالته القيمة أن المرحوم الوابلي استطاع أن ينتزع مكانه كمثقف عضوي في مجتمعات تتأسس الثقافة لديها على أساس ديني، مؤكدا على أنه أحد القلائل الذين أسسوا أو استطاعوا بلورة هذه الصيغة في المجتمع السعودي، عبر مقالاته في الجرائد المحلية أو عبر المسلسلين الشهيرين «طاش ما طاش» و «سلفي».
الإعلامي ميرزا الخويلدي تحدث في مداخلته الثرية عن قيمة الكاتب الذي يتبنى الحديث عن الإصلاح الاجتماعي والعدل وقيم المساواة والحرية والتنمية والسلوك المتحضر، مؤكدا على أن الوابلي لم يكن مثل كثير من المثقفين الذين أصبحوا جزءا من المشكلة التي نعاني منها اليوم، فهم يثيرون الهزيمة ويدعون للعصبية بخلافه حيث كان مبادرا لتفكيك العقد قبل أن تتحول إلى أزمات وسط انقسامات في عموم المشهد العربي. ويصف الوبلي على أنه مثقف من الطراز الأول، وهو – كما عرفه جرامشي، مخترع مفهوم المثقف العضوي – بأنه المثقف المرتبط بالجمهور.
الكتاب الذي وثق فعاليات الإحتفاء بالمرحوم الوابلي، ضم في طياته أيضا سيرته الذاتية وقصيدة ألقاها الشاعر هاشم الشخص في تأبينه، إضافة إلى شهادات جمع من المثقفين الذين شاركوا في اللقاء. تمهيد الكتاب ومقدمته – التي كتبها الأستاذ محمد الخلفان – تعتبران وثائق تؤرخ لهذه التجربة الثقافية الوطنية المهمة. الجهد الذي يقوم به منتدى الثلاثاء الثقافي في احتفائه بالرموز الثقافية الوطنية، وتوثيق تجربتها، يعتبر من الأعمال المهمة الرائدة التي تثري الساحة الثقافية الوطنية وتحفظ لهذه الرموز الثقافية مكانتها ودورها.

رابط الخبر اضغط هنا

قد يعجبك أيضاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق أقرأ المزيد