منتدى الثلاثاء وحوار حول الدين والتدين في المجتمعات المسلمة

164

استضاف منتدى الثلاثاء الثقافي أستاذ العلوم السياسية الدكتور نصر محمد عارف في ندوة تحت عنوان “الدين والتدين في المجتمعات المسلمة”، مساء الثلاثاء 2 ربيع الثاني 1442هـ الموافق 17 نوفمبر 2020م شارك فيها مجموعة من الأكاديميين والباحثين وتخللها حوار ثري حول مجموعة من القضايا المطروحة من بينها مظاهر التدين الخالي من الدين، أزمة الثقافة والتفكير الديني، التسييس والتحزب والدنيوية، وغاية الدين والتدين. وأدار الندوة الأستاذ هاني المعاتيق الذي تحدث في البداية عن أهمية الموضوع وراهنتيه، مؤكدا أنه يتعلق بالحياة والسلوك اليومي للإنسان والمجتمع المسلم ويسهم في ضبط بوصلة الاتجاه الديني ومعالجة الإشكالات الناتجة عن الانحرافات المنهجية عن مقاصد الشرع. وعرف المحاضر قائلا بأنه يعد من الباحثين البارزين في قضايا التنمية، فقد حصل على درجة الدكتوراه عام 1995، وحصل على درجة الأستاذية الجامعية ورقي إلى درجة بروفيسور من جامعتين في عام 2005، وعمل أستاذاً في جامعات القاهرة، وجورج تاون، وجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في فيرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وجامعة زايد بالإمارات العربية المتحدة، حيث دَرَسَ العديد من الموضوعات في التنمية السياسية، وحركات الإصلاح والتجديد في التاريخ الإسلامي، والفكر السياسي الإسلامي.

بدأ الدكتور نصر محمد عارف محاضرته بالإشارة إلى أن موضوع الدين والتدين يعتبر مهما وحساسا في نفس الوقت في عالمنا وفي هذه المرحلة تحديدا، بسبب ان خطاب التدين في هذه المرحلة التي نعيشها أربك الساحة وأحدث شللاً في حركة المجتمعات المسلمة سياسياً واجتماعياً وثقافياً، وانعكس ذلك على حركية المجتمع. وعلل سبب ذلك في فصل التدين عن الدين، موضحا أن الدين هو جوهر حقيقة الانسان ومعناه الوجودي وأساس الرابطة الاجتماعية، مركزا على أهمية الدين للبشرية لكونه البعد الوجودي بين البشر والذي يقدم تفسيرات وإجابات نهائية للإنسان التي لم تتمكن ثقافة العصر الإجابة عليها. وأضاف أن جوهر الدين وغاياته الأساسية هي احترام الانسان وكرامته واسعاده عبر أنسنة مفهوم الدين والخروج من عباءة التدين الخالي من الدين.

وتحدث عن معاني الدين من الناحية التطبيقية كالقضاء والحكم والاقتصاد مشيرا إلى أنه ينقسم إلى مجالين هما مجال الأحكام أي الشريعة وهو محدود، ومجال الأخلاق وهي الأعم والأشمل في الدين وأمرها متروك للبشر كي ينظموها. وأضاف أنه حدث انحياز واضح وكبير نحو الشريعة مقابل الأخلاق وهيمن الفقه على فهم القرآن، وأصبح الناس يفسرون القرآن بآيات الأحكام، موضحا أن هناك دراسات عديدة تؤكد على تأثر الفقه بالقوى المسيطرة في المجتمعات المسلمة، وقال أن هناك أمثلة ثلاثة على عدم التزام الفقه بمقاصد الدين في حالات المرأة والرق وأهل الكتاب وإنما طوع الدين لخدمة القوى المتحكمة. وأشار الدكتور عارف أنه تولد في بعض المراحل التاريخية التدين الاجرائي الذي يعنى بالشكل أكثر من المضمون، وتحولت المظاهر كالأشكال والحركات هي المعبرة عن الدين، وتحول الدين بناء على هذا الاتجاه من كونه غاية إلى وسيلة، وظهرت بعد ذلك برزت مظاهر هذا التدين على شكل ما يطلق عليه التدين المعلب وما أطلق عليها مالك بن نبي “الأفكار الميتة”، والتدين المجفف الذي لا روح فيه ويعتمد على الحدية واستخدام السلطة والعنف، ويؤدي ذلك إلى أن يتحول الدين إلى سلعة للمتاجرة كنغمات الهواتف واستئجار القراء وغير ذلك.

وتحدث الدكتور نصر عن نتائج هذه التوجهات والتي من بينها هيمنة التاريخ على التاريخ، حيث يتم اختيار مقاطع تاريخية معينة تتناسب مع واقع ما وجعلها مرجعا لكل التاريخ وتكون هي معيار الصلاح والفساد، وهيمنة الماضي على الحاضر والأموات على الأحياء، وكذلك هيمنة العوام على العلماء فأصبح هم العالم زيادة الأتباع ويحذر من أن يقول قولا أو رأيا يصدم به أتباعه، ويجاملهم خوفا من أن ينفضوا من حوله، مضيفا أنه نتج عن ذلك دينا مقلوبا، ودين ضد الدين كما يطلق عليه شريعتي. وأوضح في حديثه أن الجماعات السياسية عملت على توظيف الدين لتسويق أفكار معينة لمصلحتها، موضحا أن ذلك بدأ من مرحلة انفصال باكستان عن الهند من خلال استخدام البريطانيين للدين كعامل تفريق، مفرقا بين السياسة الكبرى العامة في الإسلام وبين السياسة الصغرى الحزبية.

وقال المحاضر أن الفشل المتواصل في تجارب الجماعات السياسية التي تستند إلى الدين في العديد من دول المنطقة أدت إلى المزيد من الالحاد والبعد عن الدين أو التحرر منه في أوساط الشباب، مستشهدا بدراسات أكاديمية في جامعة أكسفورد، مما يعني أنها تخلق حواجز عن جوهر الدين ومضامينه. وأضاف أنه تم توظيف الدين كأداة في الصراع الدولي واستخدم كمبرر للقتل ابتداء من التجربة الأفغانية وتحول الدين كنوع من الدروع الشعبوية في مواجهة الآخرين. وتحدث حول قراءته للحالة الدينية ودراستها موضحا أن الجمود يأتي من الحالة الثقافية في المجتمع ومن مسببات عديدة وليست من دور السلطان فقط، وختم حديثه بالتأكيد على ضرورة العودة بالدين إلى غاياته السامية وهي احترام كرامة الإنسان، وإعادة القداسة له، وتحويل الدين إلى مجال يتسم بالرحمة والتسامح وضرورة التحرر من الأعباء التاريخية.

وفي بداية المداخلات، طرح الدكتور منصور أبو خنجر مدى الحاجة الى تجديد الفكر الديني ما دام أن هناك توافق وإقرار بصحة جميع الأديان والمذاهب، متسائلا عما فهمه من أن هناك ثباتا أو جمودا في بعض النصوص كالكفارات أكدها المحاضر في حديثه. وانتقد الدكتور محمد الزهراني كتابات المحاضر فيما يتعلق بالسلفية وانتقاصه لها موضحا أن بعض المواقف متطرفة تجاهها، واعترض على فكرة انتشار الإلحاد ومشاكل المجتمع جاء نتيجة لصعود الجماعات الإسلامية. وتساءل الأستاذ احمد الخميس حول التفسيرات المجتزأة للنصوص والفهم الأحادي لها بحيث تؤثر على ترسيخ أفكار خارج السياقات التاريخية ويؤدي إلى تقسيم المجتمع وعدم احترام خياراته المتعددة.

وطرحت الدكتورة وجيهة البحارنة تأكيدها لفكرة ترك المجتمعات المسلمة للجانب الأهم في الدين وهو المعاملات والقيم والأخلاق التي حملها الإنسان وهي معيار الكمال حيث ينتج عن ذلك حالة التفكك والانفلات الأخلاقي. وقال الدكتور محمد همام أن المحاضر قدم معرفة متقدمة في هذه الندوة ويعالج قضايا إشكالية عديدة، ويمكن القول أن خلاصة ما قاله المحاضر هي أن الدين أصبح ضد الانسان، وأصبح الفقه ضد الدين، وأصبح الدين بلا اخلاق، ونحتاج إلى بلورة نموذج معرفي جديد يخلص من استغلال الدين واخراجه من النزعات الايدلوجية، مضيفا أن تشكل الحركات الدينية جاءت نتيجة لظروف اجتماعية وضغوطات واستفزازات مهيمنة فجاءت هذه كردود فعل قد لا تكون سليمة وصحيحة، ونحتاج إلى عملية هدم وإعادة بناء جديدة.

وقال الأستاذ نادر الابراهيم ان الفقه هيمن بصورة كبيرة على الدين وخاصة في موضوع تكفير المخالف والذي سبب اشكالا كبيرا واحتراب اجتماعي، إضافة إلى أن مجتمعاتنا ماضوية تريد أن تتقدم، ولكن أنظارها إلى الخلف، متسائلا عن سبل التغيير والمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية في الوقت الذي لا نطرح مفاهيم تتوافق مع هذه السياقات وخاصة من قبل الأوساط والمراكز الدينية.

 

التغطية الإعلامية

 

المحاضرة الكاملة:

 

قد يعجبك أيضاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق أقرأ المزيد