المنتديات الثقافية في زمن التحولات – الأستاذ زكي البحارنة

204

ورقة قدمت في ملتقى المنتديات الثقافية الذي أقامته جمعية الثقافة والفنون بالدمام في 10 نوفمبر 2018م

تستهدف هذه الورقة بعدين:

الأول / حول الاجابة على تساؤل ماذا قدمت المنتديات الثقافية للمجتمع؟

والثاني/ يتناول مسألة مستقبل دور المنتديات الثقافية.

حول البعد الأول: ماذا قدمت المنتديات للمجتمع؟

بداية ينبغي التنويه بأن المقصود بالمنتديات الثقافية في هذه الورقة هي المنتديات الثقافية الواقعية وليست الافتراضية على وسائل التواصل الالكترونية، تلك المنتديات التي تعنى بالندوات الحوارية المباشرة في مختلف مواضيع الفكر والثقافة، والتي يدور فيها النقاش والنقد وتبادل الآراء حول موضوع معين.

للإجابة عن التساؤل الهام حول ماذا قدمت المنتديات للمجتمع؟ يلزم ايضاح لمحة تاريخية مختصرة لنشوء المنتديات في منطقة الخليج العربي، والذي يبدو أن بلدان الخليج العربية توالدت فيها المنتديات الثقافية منذ خمسينيات القرن الماضي في نطاق ضيق على شكل ندوة أو حوارات في المجالس، باستثناء البحرين حيث تشير بعض الكتابات إلى أن فكرة المنتدى الثقافي ترجع إلى بدايات القرن الماضي لكنها كانت محدودة وغير مستمرة لأسباب مختلفة ويذكر في هذا الصدد “منتدى اقبال أوال” عام 1913 وكذلك “النادي الإسلامي” الذي تأسس في نفس العام في مقابل نشاط الارسالية التبشيرية في البحرين آنذاك، وتأثراً بأفكار الشيخ محمد رشيد رضا، ومن أبرز المنتديات الثقافية المبكرة أيضاَ والذي لا يزال قائما حتى هذه الأيام هو نادي العروبة الذي تأسس عام 1939م.

لعل من عوامل نشوء الجلسات الحوارية آنذاك هو ظهور جيل متعلم لديه اهتمام بما يصل إليه من مطبوعات الكتب والمجلات التي تصدر في المدن الثقافية العربية كالقاهرة وبغداد وبيروت، إضافة إلى تواجد أفراد استقطبتهم الحالة الاقتصادية بالخليج فأتوا في قطاع التعليم كمعلمين أو موظفين في القطاع الخاص، وكانت لدى بعضهم اهتمامات أدبية وثقافية، ومع أواخر خمسينيات إلى ستينيات القرن الماضي بدأت الحالة الثقافية تأخذ في النمو وتلتقي مع الاهتمام الرسمي في الجانب الثقافي عن طريق تشكيل المؤسسات الصحفية المهتمة بالجانب الأدبي والثقافي كمجلة اليمامة (1963) ومجلة العربي الكويتية (1957) والمؤسسات المتفرعة عنهما.

مع السبعينيات توسعت النقلة الثقافية ذات الرعاية الرسمية وذلك بتأسيس عدد من المؤسسات التي أولى بعضها اهتماما بنشر البحوث والدراسات والترجمة مما ساهم في نشر الانتاج الفكري العربي والعالمي المترجم، ومنها على الصعيد المحلي دار اليمامة للنشر والتأليف والطباعة (1966) ودارة الملك عبد العزيز (1972)، كما بدأ تأسيس المنتديات الأدبية بالمملكة عام (1975)، وقبلها تأسست الجمعية السعودية العربية للثقافة والفنون عام (1973).

في ثمانينيات القرن الماضي حتى هذه السنوات – ما يقارب أربعة عقود- انتعش دور الندوات الحوارية في عموم المنطقة وأخذت شكل الصالونات الثقافية التي كان لها دور في تواصل النخب الثقافية والأدبية وصنع الحراك الثقافي من خلال الندوات المهتمة بتطورات الوضع الاجتماعي في مختلف جوانبه، وبذلك حصدت المنتديات الثقافية (الحوارية بالذات) تفاعلا اجتماعيا عاما متجاوزة الانغلاق على اهتمام النخبة المثقفة فكان الحضور الجماهيري فيها حاشداً ولا سيما في سنوات الألفية الثالثة.

من أهم عوامل انتعاش دور المنتديات الثقافية منذ الثمانينيات:

* تزايد أعداد المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي العام نتيجة ارتفاع نسبة التعليم، والانفتاح على المجتمعات والثقافات الأخر.

* بروز الحاجة إلى التعبير عن الرأي وتبادل الأفكار فكانت هذه المنتديات ساحة مناسبة أكثر من الصحافة.

* وجود أفراد لديهم تطلع للقيام بدور اجتماعي يخدم المجتمع من خلال نافذة الثقافة (لذلك يلاحظ أن أغلب المنتديات الثقافية الأهلية أتت من مبادرات فردية).

السؤال الحقيقي فعلا وماذا بعد؟ ما الذي قدمته هذه المنتديات من تأثير في الوسط الاجتماعي؟

من ناحية موضوعية فإنه في ظل غياب دراسات أو احصائيات فقد يصعب اكتشاف الأثر الحقيقي لهذه المنتديات ولكن يمكننا رصد الأثر من خلال التفاعل الاجتماعي والانطباعات التي تصل، وهنا أربع نقاط ملموسة تبرز العطاء الذي قدمته هذه النوادي وتأثيرها على المجتمع المحلي:

أولاً : يمكن القول بأن المنتديات الثقافية تعد تجربة في غاية الأهمية من حيث مجموعة القيم الثقافية التي سعت من اجل تعزيزها في الثقافة العامة، فقيم الحوار، واحترام الرأي الآخر، التفاعل مع هموم الواقع الاجتماعي، قيمة التواصل مع الاتجاهات الفكرية المختلفة بغية تجلي الأفكار والفهم المشترك، توفير بيئة اجتماعية للعقل النقدي، فجميع هذه المفاهيم كانت غائبة أو ملتبسة المعنى في الثقافة العامة الاجتماعية ومرفوضة لدى بعض الأوساط، فأحدثت (المنتديات الحوارية) تموجاً اجتماعياً بتداول هذه القيم في الأحاديث العامة وفي العلاقات البينية بين أفراد المجتمع، وأبرزت إلى السطح المواقف المتباينة حولها، وفي بلدنا جملة من المنتديات الأهلية نشأ دورها في هذا الإطار ومن امثلتها أحدية الدكتور راشد المبارك بالرياض، اثنينية الشيخ عبد المقصود خوجة بجدة، ومنتدى الثلاثاء الثقافي بالقطيف، وفي الأحساء منتدى الشيخ عدنان العفالق، منتدى أبو خمسين الثقافي، وغيرها من المنتديات، وإذا كان الاعلام الفضائي العالمي عزز طرح مثل هذه المفاهيم فكان بمثابة مؤثر ثقافي خارجي، فالمنتديات الثقافية المحلية يمكن القول أنها مثلت إلى حد معتبر كمؤثر ثقافي داخلي معزز لتلك القيم في الواقع الثقافي الخليجي.

ثانياً: تسود في المجتمع أحيانا قضايا مسكوت عنها او ثقافة تشوبها أخطاء فكرية، فكان للمنتدى الثقافي دور توجيه البوصلة نحو تلك المواضيع أكثر من أي جهة أخرى ولا سيما منذ عام ألفين الميلادية، ومن أمثلة تلك القضايا: (تجديد الخطاب الديني) (مراجعات في التراث الاسلامي) (قضايا المرأة) (الحوار المذهبي) (القضايا الحقوقية).

ثالثـاً: من خلال تجربة منتدى الثلاثاء الثقافي بالقطيف الذي أجرى استبيان أكثر من مرة وكان من نتائج آخر استبانة بعد انتهاء الموسم الثقافي الثامن عشر أن 63% يرون (تفاعلاً ملحوظا مع برامج المنتدى) و61% يرون أن (المنتدى له تأثير في تجسير التواصل مع مثقفي الوطن)، وتعتبر تلك مؤشرات مدللة على انعكاس دور هذا المنتدى على الواقع الاجتماعي، وأن استمرار عمل هذه الاستبانات من قبل المنتديات الثقافية ستعزز صواب وصحة هذ الاستنتاج.

رابعاً: المنتديات الثقافية لا زالت تعاني من مسألتين تضيق مساحة التأثير التي يمكن أن يحققها، أولها الاكراهات الاجتماعية حول قضايا النقاش، فالوعي العام لم يصل بعد إلى اعتبار المنتدى الثقافي ساحة حوار محايدة وأنه لا يمثل ساحة لتبني فكرة سائدة أو شاذة يدافع عنها، فهو يتيح المجال لمختلف التوجهات لإبداء رؤيتها ووضعها على محك المناقشة، لإيمان العمل الثقافي بأن الحوار ينتج عنه بلورة الرؤى وإنضاجها، ومن الأمثلة لإيضاح الفكرة، موضوع سياقة المرأة للسيارة، فلو طرح قبل خمس سنوات من قرار إجازته، لفسر أن المنتدى يؤيد سياقة المرأة ضد مخالفي هذا الرأي، وواقع الأمر لا يتعدى  طرح الموضوع للمناقشة بما يؤدي لبلورة الآراء والمبررات لكل رأي بطريقة غير متشنجة وتحترم وجهتي النظر، وهذا الأسلوب يقدم حصيلة ونتيجة واقعية يمكن لأفراد المجتمع وأصحاب القرار على السواء صورة نموذجية تعين على أخذ الموقف المناسب، لذلك على المنتديات الثقافية أن تولي اهتماماً بالمقدار الممكن لمعالجة هذه الاشكالية ليكون نشاطها أكثر إثماراً.

والمسألة الأخرى هي التحفظات التي يلتزمها المحاضر لاعتبارات عدة بعضها صحيح، وبعضها تحفظ مبالغ فيه، وهذا ينعكس على تفاعل المتلقي سلبا إذا شعر بسطحية البحث وعدم ملامسة عمق الموضوع، وفي المجمل يمكن القول بأن المنتديات الثقافية أتاحت المجال لمختلف المستويات الاجتماعية للمثاقفة وحث الأفكار والتدريب على الحوار وأدب الحوار الهادف.

مستقبل دور المنتديات الثقافية:

هناك نقطتان ننطلق من خلالها لرسم الدور المستقبلي للمنتديات الثقافية (الحوارية المباشرة):

أولاً: الوقوف على التحديات الحقيقية التي يمكن أن تسحب من المنتديات دورها وتفقدها استمراريتها.

ثانياً: معرفة العوامل التي تجعل من المنتديات الثقافية حاجة مستقبلية.

التحديات الحقيقية تتمثل في أمرين:

التحدي الأول هو هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف مسمياتها، والانجذاب المتزايد نحو التلاقي الافتراضي، فهي تتيح المشاركة بشكل أوسع وبحرية أكثر لأي شخص وهو في مكانه خلف لوحة المفاتيح، ومن جدية هذا التحدي نرى ان التعليم وهو العمود الفقري لحضارة المجتمع يشق طريقه باستخدام هذه الوسائل التقنية فكيف لا يؤثر هذا الوضع الجديد على المنتديات الثقافية؟

أما التحدي الآخر فهو تغير نمط الاهتمامات الثقافية التي تتجه أكثر نحو الترفيه والفن والرياضة، يضاف إلى ذلك الانشغال الأكبر بهموم الحياة المعيشية الخاصة.

إذاً ما هي العوامل التي تجعل من دور المنتديات حاجة مستمرة، وحاجة مستقبلية؟

العامل الأول هو أن المنتديات الثقافية تمثل حاجة اجتماعية ثقافية وليست ثقافية فقط، بمعنى أن المجتمع حينما تتبدل أحواله حتى إلى الأحسن لا يعني انتهاء مشاكله وقضاياه التي تحتاج إلى معالجة ثقافية وحوار، بل إن مع أي تغيرات اجتماعية تنشأ مستجدات تتطلب الحوار والنقاش والنقد والتصحيح ونضر ب مثالين للتوضيح:

التعليم: في مراجعة للصحافة المحلية حول محو الأمية في الخليج تشير إلى تقلص نسبتها إلى ما بين 6% و2% في أدنى درجاتها، وهو مؤشر على انتشار التعليم، وهذه النسب توحي بالارتباط الوثيق بالدراسة لكن ألا يعاني التعليم من مسائل نحتاج فيها للنقاش والحوار على صعيد المناهج أو على صعيد سلوكيات الطلبة أو المعلمين؟؟

المثال الثاني: مجتمعاتنا من أكثر الشعوب رغبة في السفر في العقود الأخيرة، وتعرفت شعوبنا من خلال السياحة على مجتمعات عدة تعيش التنوع العرقي والمناطقي دون حساسيات ولاحظنا تطبيقهم لأخلاقيات وقيم التعددية والتسامح، لكننا نتأثر ونجلب الامكانات والأساليب المادية، ولا نقتفي تجارب تلك المجتمعات في تعزيز تلك المفاهيم على مستوى الممارسة والتطبيق، وبهذا فإن المنتديات الثقافية تشكل واحدة من أفضل القنوات التي يمكن أن تقوم بإلقاء الضوء على تلك التجارب والثقافات، وتوجيه المجتمع للالتفات إلى إيجابياتها وسلبياتها إلى جانب المؤسسات التعليمية، لتساهم برقي المجتمع إلى مصاف المجتمعات التي تفوقت في هذا المجال.

العامل الثاني: هو توفير التعارف المباشر بين المتحاورين، فالمنتديات الحوارية المباشرة يمكن أن تشكل نقطة التقاء بين التوجهات المختلفة فكرياً أو مدرسياً يتعارفون أين يلتقون وأين يختلفون، وهذا ما نراه على مختلف الصعد الاقتصادية والسياسية والعلمية إذا أريد لحوار أن يخرج بنتائج يبنى عليها فلابد من تلاقي الأطراف والحوار المباشر بينها.

العامل الثالث فإن إلى جانب ما ذكر ثمة أمور أساسية أخرى لا توفرها المنتديات الافتراضية كالتحفيز على قراءة الدراسات والبحوث، والتحفيز على الكتابة بعناصرها (اللغوية، وترابط الأفكار والفكرة المتبلورة والواضحة)، تماماً كما هو الحال في المنتديات الشعرية التي كان لها دور في ظهور شعراء من خلال الجلسات والمسامرات الشعرية، إضافة إلى توفير فرصة المران وممارسة إدارة النقاشات والحوار المنهجي.

ركائز نجاح الدور المستقبلي للمنتديات

لكي يتعزز الدور المستقبلي للمنتديات الحوارية يحتاج إلى ثلاث ركائز:

الأولى: توظيف وسائل التواصل الاجتماعي في إيصال رسالتها ونتاجها لمساحة أوسع من شرائح المجتمع المختلفة.

الثانية: تحول المنتدى الثقافي من نشاط فردي إلى مؤسسي بحيث يكون مركزاً ثقافياً أهلياً ذو هيكل إداري وبرامج متنوعة، وأن يتكامل مع المؤسسات الثقافية الرسمية كمركز الفكر العربي، والجمعية السعودية للثقافة ولدينا أمل كبير في وزارة الثقافة أن يكون من أولوياتها منح المنتديات الثقافية الناجحة صلاحية التحول إلى مراكز أو مؤسسات ثقافية غير ربحية، تكون مركز اشعاع ثقافي ورافعة للحراك الثقافي للمملكة داخليا وبين الأمم والشعوب.

الركيزة الثالثة: إرادة الاستمرارية والتجدد التي تتطلب توفر دينامية إدارية تعمل على تطوير النشاط الثقافي الذي يواكب المتغيرات الاجتماعية والثقافية من جهة، ومن جهة اخرى تعمل على حماية (المنتدى/ المؤسسة) من التآكل الداخلي المتمثل في ضعف التخطيط، ومعالجة العقبات المادية والمعنوية، وضبط اختلاف الآراء بين الأعضاء، واستيعاب الانعكاسات السلبية للمواقف الاجتماعية العامة على نشاط (المنتدى/ المؤسسة) وهي من المسائل الحساسة التي لها تأثير كبير على استمرار مؤسسات المجتمع المدني.

قد يعجبك أيضاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق أقرأ المزيد