الحوار.. لبنة بناء المجتمعات الصحية والأوطان المستقرة «منتدى الثلاثاء الثقافي أنموذجا»

40

الدكتورة إيمان الحمود
إعلامية وكاتبة، مذيعة في إذاعة مونت كارلو
صحيفة جهينة الاخبارية
٢٦-١٢-٢٠٢٠م

عشت في الغرب خمسة عشر عاماً، واكبت الكثير من قضاياه الشائكة، وتابعت ابرز ما جاء في برلماناتهم وجامعاتهم ونشراتهم الاخبارية حول خلافاتهم السياسية والاجتماعية، وكنت اتساءل دائما ما السبب الذي يمنح تلك الدول هذه القدرة على البقاء والديمومة في ظل كل الصعوبات وخاصة الاقتصادية منها والتي بدأت تطل برأسها منذ عدة سنوات، بل كيف استطاعت سبع وعشرون دولة اوربية كانت قبل مائة عام تقتتل فيما بينها على تأسيس هيئة جامعة كالاتحاد الأوروبي.؟
انه الحوار، هذه المساحة التي سمحت بتبادل الافكار والرؤى، وجمعت بين المختلفين تحت مظلة واحدة، فحتى ان لم يتفقوا، فها هم يحاولون الوصول الى رؤية مشتركة، تتيح لهم ايجاد بصيص النور في اخر النفق.

كم نحتاج الى مثل تلك المساحات في وطننا العربي، حيث تبدو المشاكل اكثر تعقيدا، وتتشابك العلاقات مع كل ما هو ديني او مذهبي او عقائدي. كم يحزنني مثلا ان اجد بلدانا عربية لاتزال تقتتل على الهوية الممهورة باسم الطائفة، فيما لاتزال اخرى تفصل بين الطوائف وتحابي هذه على تلك، بل وتستخدم تلك الذريعة اللعينة في اشغال شعوبها وتخويف بعضهم ببعض.
لكن بصيص النور ابى الا ان يطل برأسه من اخر النفق، فولدت مساحات الحوار وان بجهود خجولة، وتغلبت على كل العراقيل والصعوبات، لأنها تؤمن بأن تبادل الفكر وتعانق الرؤى هو السبيل الوحيد للخروج من عنق الزجاجة.

”منتدى الثلاثاء الثقافي“ بالقطيف، يحتفي بمرور عشرين عاما على انطلاقته، وعندما جمعتني صدفة كريمة بمؤسسه الاستاذ جعفر الشايب، روى لي كيف ولدت الفكرة من رحم كل تلك الازمات، وكيف تبلورت واقعا على ارض شائكة قد يكون السير عليها كالسير في حقل من الالغام.
علينا جميعا ان نشعر بالفخر لأننا واكبنا نجاح مشروع ثقافي وتنويري تمكن خلال عشرين عاما من جمع قادة الفكر واصحاب الرأي تحت مظلته، ليساهموا في تعزيز لبنة الحوار ويفتحوا للجمهور نافذة على واقع قد يصبح اجمل اذا ما تكاتفوا لنبذ خلافاتهم. خلافات اكتشفنا انها اصغر بكثير من حجم الجعجعة التي كانت تصنعها عقول فارغة، لعبت على اوتار الاحقاد التاريخية، لتفرق بين ابناء شعب واحد لن يزدهر الا بتكاتفهم وتعاضدهم.
لكن الطريق لا تزال طويلة.. والامل الان معقود على اجيال جديدة تستلهم بذور تلك الافكار وتسعى الى زرع مساحات جديدة، نحتاج الى ثقافة جماهيرية ترتكز على تلك المبادئ، فالتغيير لا يولد من رحم الازمات، بل من عقول من احسنوا ادارتها في الاوقات الاكثر حرجًا.

ابارك للقائمين على منتدى الثلاثاء الثقافي مرور عشرين عاما من الرقي الثقافي والفكري، واشكرهم بالنيابة عن كل اطياف الشعب السعودي، على بصيص النور الذي تزرعونه كل يوم، كنتم القدوة ونحن على الدرب سائرون.

رابط الخبر اضغط هنا

قد يعجبك أيضاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق أقرأ المزيد