تجسيد عملي لاحترام الرأي والرأي الآخر

3٬245

لم يكن من عادتي الاحتفاء عن طريق الكتابة بالملتقيات الثقافية، المنتشرة بكثافة في ربوع مملكتنا الحبيبة، رغم الاعتراف والتقدير للجهود الخيرة، التي تبذلها هذه الملتقيات، والنخب الفكرية التي تتبناها في تعزيز الوعي المجتمعي، وتعميق روح المواطنة، وتعميم قيم التسامح، وذلك بسبب تزاحم الأحداث وتراكمها، وتدافعها، ومحاولة الإمساك بناصية قراءتها وتحليلها، ووعي كنهها. إن ذلك لا يترك فسحة، لمتابعة الأحداث المحلية بشكل مطرد. وذلك أمر لا يعفي الكاتب من المسؤولية، لكن ما يخفف عبء الشعور بعقدة الذنب أن العذر عند كرام الناس مقبول. لكن الاحتفاء بمرور عقد على انطلاق ملتقى الثلاثاء الثقافي، بمدينة القطيف، الذي أسسه الأخ والصديق العزيز الأستاذ جعفر الشايب، رئيس المجلس البلدي بمحافظة القطيف هو شأن آخر. إن الحديث عن هذا الملتقى يتعدى فكرة الاحتفاء، بسبب الدور الذي اضطلع به في تعميم ثقافة احترام الرأي والرأي الآخر، واهتمامه الجاد بالمسألة الوطنية، وتنوع المحاور التي تناولها طيلة عشر سنوات مضت، منذ بدأ انطلاقته. إن الكتابة عن ملتقى الثلاثاء، بعد مرور أسابيع قليلة على الاحتفال بعبوره عشر سنوات من العطاء المبدع والمتواصل، حتى وإن بدا في صيغة احتفاء، فإنه يرقى إلى احتفاء بمنظومة القيم والشمائل التي جسدها مؤسسوه، بما يعزز التلاحم والوحدة بين أبناء الوطن الواحد، إنه بذلك يخرج عن معنى الحميمية والتضامن، التي هي أمور محمودة، إلى حالة أعلى من ذلك، فالكتابة، على هذا الأساس، تكتسب معنى التضامن مع جملة القيم التي تجاوز الملتقى مرحلة التنظير لها، إلى ممارستها فعليا، من خلال أنشطته المكثفة، على أرض الواقع. وقد كان لي شرف المشاركة في بعضها، أحيانا بدعوة أتقبلها شاكرا، من الصديق العزيز الشايب، وأحيانا بحكم الحضور، في عدد من الأنشطة التي حققها الملتقى.
أول ما يلفت النظر، في أنشطة الملتقى، هو تنوع وتعدد المحاور والمجالات التي تناولها، من تراث وفلكلور ثقافي، إلى السياسة والاقتصاد، إلى تناول مواضيع التعددية واحترام الرأي الآخر، ومناهضة الفساد وسياسات الإقصاء والتركيز على مفاعيل الوحدة الوطنية والتقارب بين المذاهب الإسلامية، إلى المشاكل الاجتماعية، ورصد إسقاطاتها على الواقع.وفي هذا السياق، يمكن أن نسوق بعض المواضيع التي تناولها الملتقى، علي سبيل الأمثلة لا الحصر. لقد تناول الملتقى المواضيع الملحة التي تلقي بثقلها على واقعنا المحلي والإقليمي. وكان جزءا من الحراك السلمي نحو الإصلاح. وقد عكست المواضيع التي حفلت بها برامجه خلال عقد كامل هذا التوجه. كان هناك نصيب من الحضور للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، ومناقشة المبادرة العربية للإصلاح، والأدوار المناطة بمؤسسات المجتمع المدني، والتعددية، والوحدة الوطنية، والتقارب بين المذاهب الإسلامية، وقضايا التنمية، والتصحر. ولم تقتصر نشاطات الملتقى على الاهتمام بقضايا الساعة، أو المسألة الوطنية، بل تعدته إلى متابعة الحراك الأدبي في النشر والقصة والشعر، كما شملت متابعة مستمرة لأنشطة فنون المسرح، والفنون التشكيلية، والفولكلور الشعبي. وقد حرصت إدارة الملتقى على مشاركة رواد الحركة الأدبية والفنية في أنشطته. كما جرى الاحتفاء بالمؤرخين والكتاب. وحتى مجالات الصحة والتعليم والزراعة، وحماية البيئة، نالت حصصها في أنشطة الملتقى، بحيث يمكن القول، إن مجمل القضايا الرئيسية ذات العلاقة بتطور مجتمعنا ونمائه، حظيت هي الأخرى، بنسب متفاوتة باهتمام الملتقى، خلال مسيرته. كما شملت أنشطة الملتقى محاضرات كثيرة، وحوارات مكثفة وقراءات نقدية، حرص خلالها الإخوة المسؤولون في الملتقى على أن يكون المحاضرون والمحاورون، من ذوي الاختصاص، من علماء ورجال فكر وتكنوقراط، ومهتمين كل في مجاله. فكان أن اتسمت تلك الأنشطة بالعمق، والإبداع ومهارة الأداء.
وكان المظهر الآخر، اللافت للنظر، هو تنوع وشمولية التيارات الفكرية التي شاركت في الملتقى، بحيث يمكن القول بحق، إن الملتقى قد تخطى الجانب التنظيري في فكرة الالتزام بقبول الرأي والرأي الآخر، إلى جعل ذلك ممارسة عملية، يعبر عنها مجمل الأنشطة التي تبناها خلال عقد كامل من عمره، مسهما في تعضيد المنطلقات الوطنية، وفتح بوابات الاجتهاد، وتحقيق اللحمة بين أبناء الوطن الواحد.
فقد كان المحاضرون، من جميع المناطق، يتلقون الدعوات للمشاركة في أنشطة الملتقى، ويتوافدون زرافات ووحدانا، من المنطقة الغربية، والمنطقة الوسطى، وجنوب المملكة وشمالها، إضافة إلى أبناء المنطقة الشرقية، الذين يأتون إلى الملتقى من مختلف المدن والبلدات، مشاركين في المحاور الكثيرة، ليتحقق تلاحم صميم بين أبناء الوطن الواحد، وليتحول الملتقى إلى خميلة جميلة، حافلة بمختلف الأزهار المعطرة والرياحين. وينتج عن تفاعلها وتلاقحها، طريحة أعلى، تسهم في إثراء مفهوم الهوية، متخطية حدود التشرنق المناطقي والمذهبي، ومعززة روح الانتماء إلى هذا الوطن العزيز، من شماله إلى جنوبه، ومن بحره إلى بحره، سفوحا وصحارى ووديانا. وقد شملت أنشطة الملتقى محاضرات وندوات شارك فيها إخوة لها قدموا من دول مجلس التعاون الخليجي، وكانت لهم إسهامات أغنت المناقشات، وقربت بين المسافات، وحققت تفاعلا مشتركا بين الحضور. هكذا، يصبح احتفاؤنا بمرور عشرة أعوام على تدشين الملتقى، احتفاء بالوطن وبرموزه وبالعناصر التي صنعت وحدته. كما هو احتفال أيضا، بمنظومة القيم والمبادئ، وبالآمال والأحلام التي نتطلع جميعا إلى أن تأخذ حيزا كبيرا في حياتنا، لتعزز قيم التنوع والحرية والاجتهاد، ولتفتح بوابات التفاؤل والأمل، في إطار المبادئ العظيمة، والثوابت الدينية التي حرصت عليها رسالة الإسلام الخالدة. وفق الله العاملين، لما فيه خير هذا البلد والأمة، ومبروك للإخوة العاملين في الملتقى، وفي مقدمتهم الصديق العزيز الأستاذ الشايب إنجازهم الكبير، وعقبال اليوبيل الفضي، والذهبي يا أباهادي.

قد يعجبك أيضاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق أقرأ المزيد