نقاش علمي حول فلسفة النظرية الداروينية الأولى

447

ناقش ثلاثة باحثون الأبعاد الفلسفية للنظرية الداروينية في الندوة التي نظمها منتدى الثلاثاء الثقافي مساء الثلاثاء بتاريخ 6 ربيع الأول 1443هـ الموافق 12 أكتوبر 2021م تحت عنوان “تأملات فلسفية في النظرية الداروينية الأولى”، وهم عضو جمعية الفلسفة في السعودية الأستاذ احمد المدلوح، والكاتب في قضايا العلوم والإصلاح الديني الدكتور محمد آل هويدي، والمهتم بتاريخ وفلسفة العلوم الأستاذ وليد الهاشم، وأدار الندوة الكاتب الأستاذ حسين الجنبي، وحضرها جمع غفير من المهتمين ومثقفي المنطقة.

وبدأ اللقاء رئيس مجلس إدارة المنتدى الأستاذ أمين الصفار بكلمة قال فيها أن المنتدى يهتم بمواكبة التحولات الفكرية في الساحة والتعاطي الإيجابي مع التوجهات القائمة بالاهتمام بمواضيع الفلسفة في مختلف الأبعاد، وقد خصص عدة ندوات في برامجه لتناول ومناقشة هذا الموضوع، والغرض من ذلك هو إثارة الأسئلة والجدل الفكري الناقد حول مختلف القضايا المطروحة. واحتفى المنتدى بصدور كتاب “طريق الحوار: نظرات من أجل العبور” للكاتب يوسف الحسن الذي وقع الكتاب في الندوة، وقال في كلمته بالمناسبة التي اعتبرها مهمة أنه حاول أن يسلط الضوء على موضوع الحوار من عدة زوايا وتبسيط بعض مفاهيمه بأسلوب يكون في متناول الجميع، وتناول القضايا القريبة منه التسامح والتعايش.

وقال مدير الندوة الأستاذ حسين الجنبي أن البيئة الفكرية العربية والإسلامية يوجد فيها نماذج عديدة أشارت مبكرا إلى جوانب من النظرية الداروينية مثل فكرة الصلاح من أجل البقاء والاستمرار وإلى حيوانات أبيدت وانتهت لانهزامها في معركة الطبيعة، وهناك من دعا إلى فكرة التطور من البسيط إلى المعقد، كل ذلك قبل صدور كتاب “أصل الأنواع” في الغرب عام 1859م. وأضاف أن سبنسر قام بتبيئة نظرية التطور في المجال الفكري وخرج من عباءته مصطلح “الداروينية الاجتماعية” التي تأثر بها كثير من المثقفين آنذاك، ومنهم شبلي شميل وغيره.

وتحدث بداية الأستاذ أحمد المدلوح في ورقته حول الداروينية بالقول أنها تنتمي للمجالين العلمي والفلسفي، وأن ما يترتب عليها في الفلسفة هو بذات الأهمية والاثر الذي نجده في تطبيقاته العلمية، وهي رؤية مبنية على نظرية داروين للعالم، وهي محط خلاف وجدال عندما يتعلق الأمر بالمسائل الفلسفية كما طرحه كل من جيري فودور وماري مجلي. وأضاف أن كارل بوير استخدم النموذج الدارويني كأساس لنظريته الخاصة بالمعرفة وحاول استنباط فرضية علمية خاصة به مرتبطة بالطبيعة الثنائية للجينات بهدف تقوية الأسس النظرية التي يتكئ عليها الداروينيون الجدد، موضحا أن ماركس يعتبر الانتقاء الطبيعي هي الفكرة التأسيسية التي اعتمد عليها لشرح الصراع الطبقي.

وأوضح قائلا أن الداروينية قدمت لغة جديدة للتعبير بوضوح عن المفاهيم المتعلقة بالطبيعة البشرية ومعالجة المشاكل بطرق جديدة فحدث هناك تحول في النمط الفكري، فكانت الداروينية مغيرة لقواعد اللعبة في مجال الميتافيزيقا لأنها تجاهلت فكرة الجوهر والعرض في تعريفها للأنواع وخصوصا الانسان. وعلق أيضا بالقول أن الداروينية ألغت محورية الانسان في التاريخ الطبيعي، فالإنسان بحسبها لم يخلق على صورة الاله وهو ليس عنصرا مميزا خارج التاريخ ولم يعد مغايرا للطبيعة، بل هو جزء منها، وتتجاوز الداروينية التطبيقات البيولوجية لأنها تصف عملية نشوء المعلومات من خلال الانتقاء والتنوع بالتبادل.

وخلص للقول أن الانتقاء الطبيعي يقوم بتفضيل التحيزات الجينية على الأفكار التي تقلل الفاعليّة الجينية، ولكن الأفكار أسرع تطوراً من الجينات وأقدر على التكيّف مع هذه التحيزات الجينية، ولهذا فإنّ الخيارات في الحياة تتشكل من هذا التفاعل الفريد بين إصرار وعناد الجينات مع رشاقة ومرونة الأفكار. وأوضح أن الفلسفة في حد ذاتها ليست نظرية، في تقدير جون ديوي، لكنها موضوع نشأ من الأمور العملية، وانعكاس لما يحدث في الحياة. وحقيقة أن العقل البشري قد تطور من أشكال أخرى للحياة، تحمل مستويات وعي مختلفة عن الإنسان الحالي يفترض أن طبيعة منتجات هذا العقل كالأحكام الأخلاقية، المعارف، وحتى الديمقراطية – هي نتائج تدريجية للتفكير التجريبي الذي أنتجه العقل البشري أثناء تطوره، ثم تم وضعها موضع التنفيذ للتحقق من قابليتها للتطبيق. لم تكن الداروينية مصدر إلهام لديوي لتحدي الفلسفة التقليدية فحسب، بل ساعدته أيضًا في إثبات وجود نموذج فلسفي جديد يعتمد على التفكير العلمي كمنهجيّة للأخلاق ونظرية المعرفة.

وعقب الدكتور محمد آل هويدي على الورقة بالقول أنه مع بداية القرن العشرين، وبعد الانقلاب الكبير في عالم العلم والمعرفة والتوصل للنسبية والكمية واستطاعة البشرية تفسير الأمور بصورة علمية ومنطقية، ظن البعض بأن الفلسفة لم تعد بتلك الأهمية وأنها قد ماتت، ولكن هذا لا يعني أن ظنهم صحيح وإن جلت البراهين العلمية وتفوق إنتاجها فوق ما توصلت إليه الفلسفة، مضيفا أن النظرية الداروينية لم تؤثر فقط على علوم الاحياء، بل حتى على الفلسفة والنظرة البشرية للأمور، وهي تبقى النظرية النموذج الأفضل لبداية الخلق وتطور الكائنات من حالات بدائية الى مركبات معقدة كتطور الدماع من غريزي بحت الى مفكر عاقل يراعي حقوق الاخرين وكرامة الضعفاء والمساكين.

وتبعه الأستاذ وليد الهاشم بتوضيحه أن هناك إشكالات تنتج عن الفهم القاصر لنظرية التطور مما يوقع في سوء الفهم، من بينها أن السلوك الإنساني محدد على مستوى المورثات فقط، بينما للبيئة دور كبير في ذلك، وإذا كان الأمر تطوريا فلا يمكن تغييره، ولكن يمكن تغيير الكثير بالتعلم، وأن الآليات الحالية مصممة بصورتها المثلى، ولكن قد يكون العكس تماما، فالشراهة في تناول الطعام مثال كان إيجابيا في زمن، لكنه أصبح سلبيا الآن. وأكدفي تعقيبه على ضرورة التدقيق في علاقة العلم مع الفلسفة، حيث انفصل عنها منذ عصر نيوتن بتخلص العلم من الجوانب التكهنية وقصر نشاطه على الظواهر الطبيعية، والعلم تراكمي أما الفلسفة فهي أفقية تعيد طرح نفس الأسئلة وكلاهما يستفيد من الآخر مع الاحتفاظ بمساحة من التفريق بينهما.

وبدأت المداخلات بتساؤل من الأستاذ عبد الله بو خمسين حول الموقف الديني من نظرية التطور الذي يراها مخالفة لسنة الكون ونشأة الخليقة وأنها نظرية تم الرد عليها كثيرا وأثارت جدلا واسعا في الأوساط الدينية. وتحدث الأستاذ علي الحرز عن مسيرة الاستجابات العلمية في الوسط الإسلامي والعربي من قبل علماء وكتاب حول رؤيتهم لنظرية ومفهوم التطور مستشهدا بالعديد من الآراء التي توافقت من منطوق هذه النظرية بصور مختلفة، واستعرض بعض المؤلفين الذين اشتغلوا على بلورة هذه المفاهيم بجدية.

وأوضح الأستاذ عبد العزيز إسماعيل بأن الداروينية أحدثت اختراقا فكريا كبيرا وبنت منظومة فكرية متجددة حول الكون ونشأة المخلوقات وتطورها، وذلك يتوافق مع عدة مفاهيم دينية حيث أنها لا تتعارض معها، مؤكدا على أهمية الدور الذي قام به داروين في أبحاثه العميقة والتي استغرقت عشرات السنوات سواء تم الاتفاق أو الاختلاف حولها. وعلق الدكتور توفيق السيف بقوله أن سبب الإشكالية الناتجة هو الخلط بين العلم والمقدس مما يجعل أي نظرية علمية ينظر إليها من زاوية شرعية بينما هي مجردة ولا علاقة لها بالتشريع الديني، وهذا ما يجعل الارباك سائدا وتكون القراءة في كثير من الأحيان قاصرة وغير منضبطة علميا.

وعلق الأستاذ مالك آل فتيل على مسار الحوار في الندوة معتبرا أن الأوراق التعقيبية التي قدمت على الورقة الرئيسة أثرت النقاش حول الفكرة الأساسية مع أن بعضها ابتعد عن عرض قراءة نقدية حقيقية للورقة، وأثنى على الجهد المبذول فكريا في تقديم الأوراق الثلاث.

 

لمشاهدة الصور اضغط هنا

 

المحاضرة الكاملة:

قد يعجبك أيضاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق أقرأ المزيد