الثقافة في الخليج العربي على طاولة منتدى الثلاثاء

770

في أمسية ثقافية مميزة حضرها جمع غفير من مثقفي المنطقة وكتابها، استضاف منتدى الثلاثاء الثقافي الكاتب والمهتم بالدراسات الثقافية الدكتور حسن مدن في ندوة حملت عنوان “الثقافة في الخليج العربي من العزلة إلى الانفتاح” وذلك مساء الثلاثاء 2 جمادى الأول 1440هـ الموافق 8 يناير 2019م، وأدار اللقاء عضو الهيئة التنفيذية للمنتدى الأستاذ زكي البحارنة. واستهل اللقاء بعرض فيلم قصير “قوة الوعي” من انتاج حراير ميديا، كما تحدث في اللقاء الفنان حسن أبو حسيّن عن تجربته الفنية وحول أعماله السيريالية التي عرض بعضا منها في معرض فني بالمنتدى، كما تحدثت الأستاذة فاطمة المسكين مسئولة مبادرة “طيور السلام” وعرفت بعمل المبادرة التي تهتم برعاية المسنين والتواصل معهم ونشر ثقافة توعوية في المجتمع حول أهمية ذلك. وكان ضيف شرف الأمسية المفكر المعروف الدكتور توفيق السيف الذي سلّم المشاركين دروع التكريم وألقى كلمة مختصرة في نهاية الأمسية.
افتتح مدير الندوة الأستاذ زكي البحارنة اللقاء بالحديث موضوع الندوة (العزلة والانفتاح في ثقافة المجتمع الخليجي) باعتباره موضوعا عالي القيمة ثقافيا وضرورة تقليب زواياه المتعددة، بغية قراءة الحاضر واستشراف المستقبل الثقافي في هذه المنطقة، معرفا بالمحاضر الحاصل على الدكتوراة في فلسفة التاريخ الحديث، وأدار عددا من المشاريع الثقافية النشطة منها مركز الدراسات والنشر بدائرة الثقافة والاعلام بالشارقة وإدارة تحرير مجلة “الرافد” ومجلة “دراسات” الصادرة عن اتحاد الكتاب والأدباء بدولة الامارات العربية، كما اختير من قبل منظمة اليونسكو محكما في جائزتها للثقافة العربية في دورتها عام 2005-2008م.
تناول المحاضر الدكتور حسن مدن في بداية محاضرته تعريف المثقف بصفته تعريفا اشكاليا ولكنه يعرفه بأنه من يعمد إلى دراسة الأفكار ذات القيمة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي تعني أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع، مناقشا التصور الذهني السائد بين المثقف والاشتغال بالفكر والتمييز بين المثقف وتقني المعرفة الذي يملك راسمالا رمزيا معرفيا لا يتجاوز في توظيفه له وضعه المهني. وأوضح أن أول من صاغ مفهوم المثقف العضوي هو المفكر الايطالي انطونيو غرامشي الذي أكد على وظيفة المثقف الخاصة المتمثلة في تقديم التصور المتكامل والمتجانس للعالم مشددا على استقلاليتهم. انتقل بعد ذلك للحديث عن الثقافة في منطقة الخليج العربي، موضحا أن هناك أشكال أدبية وثقافية معينة قد تراجعت وظهرت أجناس أدبية وفنية جديدة كتعبير عن دينامية التغيير الحاصل في البنيان الاجتماعي-السياسي، فالأدب والثقافة القائمان على الزراعة وصيد اللؤلؤ ليسا هما نفسيهما القائمين على العلاقة الرأسمالية التي جاءت مع اكتشاف النفط، وينبغي النظر إلى الثقافة في إطار سيرورة متواصلة. وعمل ضيف الندوة على التفريق بين المحلي والوطني في الثقافة ساعيا إلى التوجه إلى جعل الثقافة المحلية تتحول أو ترتقي إلى ثقافة وطنية، مشيرا إلى أن النظرة المحلية هي بطبيعتها نظرة ضيقة، محدودة وقاصرة، أما النظرة الوطنية فهي أقدر على رؤية ترابط الظواهر ورؤية المحلي في علاقته بالعربي وفي علاقته بالعالمي.
وأوضح أن الخليج كوحدة جغرافية وثقافية وتاريخية ونفسية لم تنشأ بقيام منظومة مجلس التعاون الخليجي فهي سابقة له بكثير، وأن المجلس أضفى الطابع المؤسساتي على هذه الحقيقة الموضوعيةبما يتناسب وظروف الزمن الراهن. وشدّد المحاضر على دعوته لمصطلح “الثقافة في الخليج العربي” وليس “الثقافة الخليجية” حيث أنه لا يمكن الحديث عن ثقافة في هذه المنطقة مسقطة عن بيئتها العربية وأفقها العربي، منتقدا النزوع نحو مجمل النظرة العامة تجاه الذات “الخليجية” كما لوكانت امتيازا ناجما عما حبى الله به المنطقة من ثروات، فهو يغفل ان هذه المنطقة دون عمقها العربي ستكون في مهب الريح. وتحدث المحاضر عن تعايش الثقافتين التقليدية والحديثة في مجتمعات الخليج والجزيرة العربية، مشيرا إلى ضرورة الاهتمام بدراسة البنى التقليدية لبحث عملية التحول الثقافي-الاجتماعي في بلداننا، لأن نفوذ البنى التقليدية يظل مهيمنا وفي أحيان كثيرة حاسما في تقرير حجم ومدى وأفاق التحول السياسي. وأشار إلى أن مجتمعات المنطقة قطعت شوطا من التغيرات أفرز قوى اجتماعية بألوان شتى، وقد أدى ذلك إلى تشكيل بانوراما منوعة، فيها القوى التقليدية وفيها القوى التي رفعت شعارات الحداثة وعملت من أجلها، كما أن هذا التطور نفسه جعل من القوى المصنفة بوصفها تقليدية أو محافظة حكما ن برامجها الاجتماعية تعيد النظر في بعض أطروحاتها. وواصل الدكتور مدن حديثه أنه بسبب الانفتاح والتواصل على التجارب الابداعية العربية المختلفة وسهولة الاتصال بهذه البلدان كالسفر المتبادل عبر السيياحة والبعثات الدراسية والتعليمية وسهولة وصول المطبوعات والكتب، وبسبب تلقي الكثير من أبناء المنطقة تعليمهم في الجامعات الاوروبية والامريكية وتمكنهم من لغات أجنية، فقد نشأت مظاهر ثقافة وابداع حداثية في مجالات القصة القصيرة والقصيدة والرواية، إضافة إلى بزوغ أشكال تعبير في الفنون الحديثة كالتشكيل والمسرح وحتى السينما.
واعتبر المحاضر الثقافة مثل الصناعة الثقيلة التي تحتاج إلى بنية أساسية قوية، موضحا أن هناك غياب بالاهتمام بالجدي من الشأن الثقافي بينما ينبغي الانفاق على الثقافة بوصفها استثمارا في المستقبل. وأوضح أن هناك حاجة ماسة لدراسة التاريخ الثقافي في الخليج ةتسليط الضوء على رموز هذا التاريخ ومعالمه عبر تأصيل مناهج البحث نفسها بدلا من الانطباعية والجمع العشوائي، وينبغي بذا المزيد من الجهود على شكل استراتيجيات واضحة توفر لها الحكومات الدعم الضروري لكتابة التاريخ الثقافي بوصفه حقلا مستقلا. وتحدث المحاضر مفصلا حول تحدي الاستهلاك والمحافظة حيث أدت سرعة التحولات الاقتصادية-الاجتماعية إلى مايشبه الانقلاب القيمي الذي نجم عنه تصدع في منظومة القيم، وأزيحت الكثير من الحرف والمهن والانتاج لصالح ثقافة استهلاكية تتوسل السهولة والاسترخاء والاتكالية. ومن التحديات التي تحدث حولها المحاضر تراجع وتقهقر فضاءات التنوير والحداثة لمصلحة نمو التيارات المحافظة التي تعمق المأزق التنموي القائم في المنطقة بين حداثة في المظاهر وبنية سياسية واجتماعية محافظة.
وجاءت مداخلات الحضور ضمن سياق المحاضرة، فطرح الدكتور تيسير الخنيزي أن التحولات الثقافية التي تمت في المنطقة ماكانت لتحدث بهذه الطريقة لولا ظهور النفط، فالتعايش بين المحافظة والحداثة بكل مكوناتها جاء نتيجة التحولات الثقافية التي حدثت مؤكدا على ضرورة أخذ مختلف الأبعاد في دراسة التحولات الاجتماعية. وأشار الأستاذ جمال آل حمود إلى أن التخلي عن الموروث في مقابل هجمة الحداثة كان يشكل حالة انهزامية أما الغزو الثقافي القادم من الخارج، وتساءل الأستاذ نادر البراهيم عن طبيعة التحولات التي أصابت القوى التقليدية ذاتيا وموضوعيا. وبيّن الكاتب عبد النبي العكري أن العزلة الثقافية لمنطقة الخليج كانت بسبب هامشية المنطقة، لكن هجرات الأجانب للمنطقة وكثرة سفر أبناء المنطقة للخارج ساهم في مزيد من الانفتاح والحداثة واحداث تفاعل ثقافي حقيقي. وأكد الأستاذ عبد الله العبد الباقي على تأثير العامل السياسي على الثقافة حيث أنها قد تدفع وقد تعيق الحراك الثقافي بشكل عام. وتحدث الأستاذ خليل الفزيع عن النظرة القاصرة من قبل المثقفين العرب إلى الثقافة في الخليج، وأن التواصل الثقافي عبر المؤسسات الرسمية والأهلية ومشاريع الترجمة لا يزال ضعيفا، وشدّد الاستاذ يوسف السيف على ضرورة اهتمام الإعلام المحلي بالتفاعل مع النشاط الثقافي.
وتناول الأستاذ عبد العظيم الشلي تأثيرات الصحوة الدينية على الثقافة العامة وأنها سببت نكسة وضيق أفق ثقافي، مما جعل دور المثقف محدودا وتحولت العديد من أوجه الثقافة التي كانت سائدة إلى محرمات وممنوعات، وعدّد الاستاذ زكي أبو السعود نماذج من أوجه المثاقفة التي كانت سائدة في المنطقة وفي الحجاز من عقود بعيدة. وتساءل الأستاذ جعفر الشايب عن أسباب التفاوت الثقافي بين دول الخليج على الرغم من التقارب الاجتماعي واشتراكهم في التحولات التي حصلت بسبب النفط، وعلّلق الأستاذ حسين آل دهيم على أن الجيل الحالي من المثقفين يمتازون بالحرية والاستقلالية عن ارتباطهم بذهنية الجماعات التي كانت سائدة في السبعينات وأنهم الآن أثر تمردا وقدرة على التعبير.
في نهاية اللقاء تحدث ضيف شرف الندوة الدكتور توفيق السيف معربا عن شكره للمنتدى وللمحاضر والضيوف، ومشيرا إلى أن الانتاج العلمي هم التحدي الحقيقي لفهم طبيعة الحياة والامسام بزمام التقدم، وأنه من الخطاأ الاقتصار على فهم الثقافة في إطار لا يشمل علوم الطبيعة. السيرة الذاتية للمحاضر صور المحاضرة  كلمة المكرم  كلمة الفنان المحاضرة الكاملة التغطية الإعلامية

قد يعجبك أيضاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق أقرأ المزيد