منتدى الثلاثاء يستعرض دروسا من الحالة الدينية في العراق

254

في ندوة ثقافية تميزت بمشاركة نخبة من العلماء والمسئولين والمثقفين نظمها منتدى الثلاثاء الثقافي مساء الثلاثاء 24 ربيع الأول 1442هـ الموافق 10 نوفمبر 2020م، تناول الباحث العراقي الدكتور رشيد الخيون مناقشة لكتابه “الأديان والمذاهب في العراق”. وأدار الندوة الأستاذ كاظم الخليفة الذي تحدث في بدايتها بكلمة توصيفية أدبية لدور الدكتور الخيون العلمي والأدبي والتاريخي في تدوين التراث الإسلامي واهتمامه بالشأن العراقي، وعرفه بأنه كاتب وباحث في شؤون التُّراث والفلسفة الإسلامية، حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية، وعمل محاضرا في مركز الدراسات العراقية ببيروت، ويكتب في مجلات عربية عديدة، كما أنه عضو هيئة تحرير كتاب المسبار الشهري ومحرر مرصد الإسلام السِّياسي في “الميدل ايست أون لاين”، وصدرت له العديد من المؤلفات التاريخية والدينية والأدبية.

وقال الخيون في بداية الندوة أن في كل موقع في العراق أثر روحي ومادي للديانات والمذاهب، فبغداد كانت عاصمة للدولة الاسلامية لمدة ٥٢٠ سنة، والعراق يعتبر متحفا للأديان والمذاهب ومنشأ للعديد منها، على الرغم من الهزات الكثيرة والقزية والحروب التي تعرض لها العراق كالغزو المغولي وتيمورلنك والانقلابات المتتالية التي جرت في عصر الدولة العباسية، موضحا أن العراق تعرض ولا يزال للعنف مثل أي منطقة في العالم، إلا أن ما يميزه تاريخيا أن المعارك تبدأ وتنتهي فيه. وبين أنه عمل على دراسة وإصدار كتابه التوثيقي “الأديان والمذاهب في العراق” من ثلاثة أجزاء على مدى 14 سنة، معتبرا إياه جهد علمي وتاريخي ومرجعي، معددا أبرز الأديان والمذاهب الحية في العراق وهي: المسلمون (شيعة وسنة)، الصابئة، اليهود، المسيحيون، الزرادشت، الكاكائية، الايزيديون، البهائية.

واستعرض الخيون أبرز الخصائص لكل دين ومذهب في العراق، فأوضح أن الصابئة المندائيين هم جزء أساسي من تاريخ العراق، وهي نشأت في العراق، وأن ديانتهم لهاعلاقة بديانة البابليين واتخذوا يحيى المعمدان كأحد الربانيين لديهم، موضحا أن المصادر الإسلامية تذكرهم كما في ابن النديم ويطلقون عليهم أسماء مختلفة. وقال أن الكاكائية لا يعلنون أنفسهم كديانة، وتنتشر في شمال العراق وغالبية المنتمين لها من الطائفة الكردية وهي أحد فروع الديانة اليزدانية القديمة، وأوضح أن البهائية ديانة حديثة نشأت على يد بهاء الله عام 1945م في بغداد، وتعرضوا لمواقف متشددة كالإعدام واسقاط الجنسية وهرب أكثرهم لخارج العراق. وقال أن الايزيدية ديانة قديمة حمتها الجبال واختلط أتباعها بالصوفية ويتكلمون الكردية القديمة، ويعتبرون أنفسهم خميرة العرب (الفضلاء) ومروا بظروف صعبة وخاصة بعد دخول داعش لمناطقهم.

وأضاف أن المسيحية دخلت العراق في القرن الأول الميلادي عبر أربيل وتسللت للمدائن عبر الساسانيين، وهي تختلف عن الكنيسة الكاثوليكية في روما، وطوال التاريخ كانت علاقتهم مع الخلافة في بغداد جيدة، موضحا أن لديهم مذاهب متعددة بسبب الحملات التبشيرية التي كانت موجهة لأتباع الكنيسة الشرقية في العراق، وقسم من المسيحيين تركوا الكنيسة الشرقية النسطورية وتحولوا للكاثوليكية (الكلدان الكاثوليك) وذلك في القرن الخامس عشر الهجري. وقال أن اليهود بلغ عددهم مليونين ونصف في العشرينات لكن تقلصت أعدادهم لحد 15 ألف حاليا لأسباب داخلية وخارجية، وأن مذاهبهم قليلة ومنهم القرائين، موضحا أن المسيحيين واليهود لعبوا دورا بارزا في تاريخ العراق وبرزت كفاءات تسنمت مناصب مهمة في الدولة العراقية فمنهم وزراء، واعلاميين، وباحثين، ومحققين.

وعدد المحاضر المذاهب الإسلامية في العراق، فالحنابلة هم أكثر أهل السنة منذ زمن العباسيين لكن هاجر الكثير منهم للزبير ونجد، والمالكية هم عوائل صغيرة عاشت بين بحر من الشيعة، موضحا أن الاحناف يعتبرون من المذاهب الرئيسة حيث كانت الحنفية مذهبا رسميا منذ عهد الرشيد لكونها اكثر انفتاحا وتسامحا في الدماء والعقوبات، مضيفا أن الشافعية انتشرت بعد أن فرضها بعض الخلفاء السلاجقة كنظام الملك. وواصل حديثه مستعرضا أتباع المذهب الشيعي المنتشر في مختلف مناطق العراق وتاريخهم وعلاقتهم بمختلف الأديان والمذاهب الأخرى.

وأوضح الدكتور الخيون أن العلاقة بين أتباع الأديان والمذاهب في العراق اتسمت بحالة من التسامح لفترات طويلة بسبب التعددية الدينية والتداخل المهني والاجتماعي ووجود أنظمة تعاقب على الإساءة للأديان، مشيرا إلى أن الطائفية والتكاره بين أتباع الأديان والمذاهب في العراق حصل نتيجة الاستخدام السياسي والمصلحي للدين وصارت التوجهات الطائفية حاكمة في المشهد السياسي. وأكد على ضرورة الأخذ من المصادر الأولية لكل الأديان والمذاهب منعا للأخطاء، ففي كثير من الحالات تؤخذ المعلومات عن هذه الأديان من مصادر غير مباشرة مما يؤدي إلى انتشار مغالطات وتشويه سمعة الأديان والمعتقدات وأتباعها، مضيفا أن ذلك يساهم أيضا في انتشار ثقافة الكراهية بسبب عدم المعرفة الدقيقة بالمذاهب وخاصة مع بعض الأحكام الطاردة مثل أحكام النجاسة في طعام المختلف بينما يعتبر الطعام أحد وسائل نسج العلاقات بين الناس. وأكد أيضا على أهمية نشر ثقافة التسامح بين الجميع ومن بين وسائلها تعليم الديانات المقارن من أجل الفهم الدقيق للمعتقدات التي يختلف حولها حتى أتباع الدين أو المذهب الواحد.

وختم الدكتور الخيون محاضرته بالقول أن المجتمع المختلف ينتج أشكالا ثقافية مختلفة تنعكس على أنماط البناء والملابس والأكل وغيره، كما ينتج التعدد أيضا حالة من التسامح، مشيرا إلى الارباكات الطائفية والانقسامات المذهبية التي نشأت بدوافع وأغراض سياسية استغل فيها التنوع الديني والمذهبي في العراق منذ نشأة الدولة الوطنية الحديثة عام 1921م، مؤكدا على أن الحرب الطائفية القائمة هي بين ميليشيات مسلحة وليست بين طوائف ومذاهب.

وتداخل الأستاذ صفاء زيارة حول وجود شخصيات دينية جامعة في العراق تساهم في تهدئة الوضع المتوتر، مضيفا ان الكثير من القوى المتمكنة لا تتنازل عن الطائفية والسلاح وأن هناك حاجة كبيرة لعمل شبابي لحماية هذه المبادئ. وتداخل في الندوة سفير المملكة في الامارات العربية المتحدة الاستاذ تركي الدخيل، متسائلا عما اذا كان انتشار الدين الالزامي في المنطقة العربية أحد أسباب زيادة نسبة الالحاد في هذه المناطق. وتناول الدكتور علي الدباغ في مداخلته قانون التطاول على الأديان معتبرا إياه حصانة جيدة لحماية المعتقدات وأتباعها، موضحا أن الفقهاء يقومون باستحداث أحكام من خلال التفسير والتأويل تمنع من التعايش والتسامح يتبعها الجمهور كمسلمات.

وتساءل الأستاذ عبد الكريم الممتن عن سبل نشر ثقافة التسامح في المجتمعات المسلمة وخاصة وأن هناك تراث كبير من المعاهدات والوثائق الداعمة كصحيفة المدينة وغيرها، وأكد الدكتور احمد المطرودي علة أن الخلافات المذهبية ما هي إلا تعبير عن تمايزات بين آراء وفهم مراجع المذاهب، وينبغي تكثيف اللقاءات من أجل سد الفجوة وفهم الآخر وكذلك نقل هذه الحوارات إلى آفاق ومجالات أوسع. وقال الدكتور تركي الشلاقي أن الحل الأمثل قد يكون في ابعاد الدين عن الحياة العامة وتحييده من أجل التحول لمجتمعات مدنية حديثة، بدل أن يتحول الدين إلى حزب وسلطة، كما أكد الدكتور تقي الفرج على أنه لا مكان للتعددية بدون التسامح وأن الغرب أخذ بالتسامح عندما جعلوا الدين في مكانه الصحيح. واختتم المشرف على المنتدى الاستاذ جعفر الشايب الندوة بالتأكيد على أهمية دراسة تجارب المجتمعات الإسلامية وتاريخ مشددا على ضرور استخلاص الدروس والعبر من حالة التنوع والتعددية الدينية وتاكيد التسامح الديني في مجتمعاتنا العربية.

 

التغطية الإعلامية

 

المحاضرة الكاملة:

قد يعجبك أيضاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق أقرأ المزيد