منتدى الثلاثاء يحاور عالم الفلسفة ولد اباه حول المسألة الدينية

126

ضمن برنامجه الثقافي للموسم الواحد والعشرين، يواصل منتدى الثلاثاء الثقافي طرح قضايا الفلسفة من زوايا متعددة والتواصل مع ابرز المفكرين العرب حيث استضاف مساء الثلاثاء 19 جمادى الثانية 1442هـ الموافق 2 فبراير 2021م استاذ الدراسات الفلسفية والاجتماعية بجامعة نواكشوط في موريتانيا الدكتور عبد الله السيد ولد اباه في محاضرة تحت عنوان “المسالة الدينية في الفلسفة الحديثة”، وأدارتها الباحثة الدكتورة فاطمة الشملان. وتضمنت محاور الندوة استعراضا لمقولات الفلاسفة ديكارت، نيتشة، هايدغر، والاتجاهات الجديدة في فلسفة الدين، والحوار النقدي بين الفلسفة والدين، وتحرير التجربة الدينية من المقاييس الميتافيزيقية.

وبدأت الدكتورة فاطمة الشملان الندوة بالحديث عن أن المسألة الدينية مطروحة في الإطار الميتافيزيقي ثم أصبح لها دور حاضر في مختلف المجالات وتمت العديد من المحاولات لإخراج الحالة الدينية للحالة الدنيوية، وعرفت الضيف المحاضر بأنه بالإضافة لعمله الاكاديمي في جامعة نواكشوط وعدة جامعات عربية ودولية يشغل الدكتور عبد الله السيد ولد اباه منصب الامين العام للجمعية الموريتانية للدراسات الفلسفية، وهو  عضو مجلس أمناء العديد من المؤسسات البحثية والفكرية العربية والدولية، ومن ابرز الاعمال المنشورة له: التاريخ والحقيقة لدى ميشال فوكو، اتجاهات العولمة، الدين والسياسة والاخلاق: مباحث فلسفية.

وقال الدكتور عبد الله السيد ولد أباه في بداية محاضرته الشاملة أن فلسفة الدين تغدوا إشكالية معقدة لكونها تحمل تناقضا داخليا بين الفلسفة وهي مجال التساؤلات الإشكالية وبين الدين وهي الاعتقاد والايمان والتسليم، وهو ما يتم تسميته التعارض بين الاعتقاد والانتقاد كما يطلق عليه هوديكور، موضحا أن ذلك إشكالا قديما منذ أفلاطون. وأوضح في محاضرته أن الفلسفة الحديثة تناولت موضوع الإله بصور عدة، فديكارت طرح (الاله الضامن) معبرا عن علاقة الاله الضامن لصحة الفكر بالعالم، ونيشته الذي تحدث عن (الاله الميت)، وهايدغر الذي نظر لفكرة (الاله المنتظر)، مبينا أن ديكارت اشترط وجود الاله لضمان الأفكار حول الطبيعة، وأن الميتافيزيقا الكلاسيكية في العصور الوسطى طرحت الإله وهو أمر مشترك بين علم الكلام الإسلامي وعلم اللاهوت المسيحي. وأشار إلى أن ديكارت وصل لمأزق الشك الراديكالي الجذري ووصل للحقيقة وعبر عن وجود الذات من خلال الفكر وطرح سؤال الضامن لصحة الأفكار، للوصول إلى فكرة الاله (الجوهر اللامتناهي المكتمل والمطلق) والتي لا يمكن أن يكون مصدرها الذات، وذلك برهان شهير على وجود الإله. وأضاف أنه يصل لحسم هذا الاشكال للتوفيق بين الذات والطبيعة، أو بين الإله الضامن لصحة الأفكار وبين الشيطان الماكر للإله الضامن، متسائلا عما إذا هو نفسه الإله الديني الذي تدعو له الأديان، وعن كيفية البرهنة فلسفيا على صفات هذا الإله.

وأوضح أنه تبلورت عدة مقاربات على هذه الإشكالات، من أبرزها مقاربة استونيزا الذي بدأ ديكارتيا وحارب النظر للإله من خلال الصفات البشرية معتبرا الإله الوحيد المطلق ومركزا على تصور الإله بصورة فلسفية مع الاعتقاد بالتصور الإيجابي لفاعل الطبيعة، بينما يرى لايبيز أن العلم الطبيعي التجريبي يقوم على المسلمة الدينية، وهي أدوات فهم وتملك الطبيعة، متوصلا إلى أن الحل يكمن بأن الإله هو الذي صنع العالم، متسائلا أنه عندما يفقد العلم الفاعلية الغائية فما الذي يبقى من دور للعلم. وواصل المحاضر حديثه بالقول أن ديكارت أسس لتقليد مهم وهو أنه حصر مجال الألوهية في فكرة الإله الذي هو علة لقوانين الطبيعة، أي الانتقال من الاله الخالق إلى الإله المهندس.

وأضاف المحاضر أن كانط اعتبر ديكارت قطع نصف المسافة ولم يكمل النظرة الكاملة للاهوت والدليل الوجودي وكل نظرية الخروج من الدليل الوجودي، وهو يميز بين مجال الاعتقاد ومجال المعرفة، ويصل إلى أن مجال المعتقدات الدينية مجالا آخر يختلف عن مجال المعرفة، موضحا الحاجة للإله في مجال الأخلاق، وينطلق لاستكمال مشروع ديكارت في التمييز بين المعرفة وذات الأشياء. وقال الدكتور ولد أباه أن القراءة المتداولة والسائدة لنيتشة حول العدمية ليست دقيقة وكذلك رؤيته للإلحاد التي تأتي ضمن قراءة سطحية لفكره وخاصة في المنطقة العربية. وأضاف أنه لم يبشر أو يدع إلى موت الإله الذي تحدث عنه في مقطعين في كتابيه (العلم المرح، وهكذا تكلم زرادشت)، وإنما عبر عن ذلك باعتباره مظهرا للعدمية ونهاية الدين في تشكل العالم الحديث. واستدل على ذلك بدلالتين؛ الأولى أنه ربط موت الإله بالمسيحية لأنها تصورت الإله باعتباره إنسانا أعلى، والدلالة الثانية أنه أبقى على الميتافيزيقيا في الأخلاق فالإله مرتبط بأخلاق الضمير.

وقال أنه أمام هذا المنعرج تبلور اتجاهان لفلسفة الدين؛ الأول محاولة تأسيس جديد للمسألة الإلهية باعتبار الميتافيزيقا منافسا غير شرعي للدين وأنه ألغت الدين الصحيح وهو دين الحياة والحب والشعور، مما دفع الفيلسوف الوجودي ايمانويل لوجاغاس لفكرة تأسيس الألوهية خارج الميتافيزيقا، والاتجاه الثاني هو الخط التقليدي والكلاسيكي في الهجوم على نيتشة بمعنى نقد الميتافيزيقا وانهيار القيم والأخلاق. وتناول في جانب من محاضرته فكرة الإله المنتظر عند هايدغر الذي اعتبره أنه دخل للفلسفة من بوابة اللاهوت وبين أن مجالهما مختلف، وهو يعتبر أن نيتشه لا يزال أسير الميتافيزيقا، معتقدا أن الاله الموعود أو المنتظر ينتهي لعالم الحدث ويستكشف من خلال الشعر وليس العلم، موضحا أن هايدغر دشن إمكانات جديدة لفلسفة الدين، من بينها أن المسألة الدينية لا تتعلق في الميتافيزيقا، والتمييز بين المسألة الدينية وسؤال الألوهية، والتفريق بين الفكر والفلسفة، وأن الدين ظهر كحاجة حيوية محورية وتساؤل دائم لدى الانسان.

وختم المحاضر حديثه بمجموعة مقارنات عامة حول فكرة المسألة الدينية بين مختلف الفلاسفة الغربيين، فلوك لديه فكرة المعرفة وهي انعكاس التصور الطبيعي للوجود، ودشن هايدغر سؤال الألوهية خارج الميتافيزيقا، موضحا أن الميتافيزيقا هي أهم تجليات الفلسفة ولا يمكن الخروج عنها، وأن العلم قد يكون نقيضا لها أو أنه نفسه ميتافيزيقا. وأوضح أن هناك قراءات مختلفة لاسبونوزا منها قراءة إلحادية لإلغاء الدين وقراءة أخرى هي وحدة الوجود، وأن إضافته الكبرى هي في قوله أن الإله مطلق. وأضاف أن ديكارت مداره النظرة للأخلاق والمجتمع ومركزيته للذات، والانتقال من مركزية الوجود إلى فكرة العالم المفتوح حيث يمكن امتلاك الطبيعة وينتج عنها كل أفكار تشكل القيم الاجتماعية.

وتساءل الأستاذ سلمان الحبيب في بداية المداخلات عما إذا كان الدين يلبي حاجة نفسية أم كونه تقليدا متوارثا أم لدوافع أخلاقية وإضافة معنى وجودي، فالإنسان يشعر بالحاجة لوجود الإله وتطهير داخله والعمل وفق المعنى الفردي الخاص. كما طرح الأستاذ نادر البراهيم عن كيفية تمكن الفلسفة من أن تؤسس للحداثة في أوروبا، وأطروحة ديكارت بفصل الروح عن المادة كونهما ذواتا جوهران مختلفان. وناقش الأستاذ أحمد الخميس في مداخلته فكرة الإشكاليات الفلسفية المتعارضة ودورها في الوصول إلى توجهات نهائية تسهم في التغيير، مؤكدا على أهمية ممارسة طرح الأسئلة للبحث عن إجابات جديدة، وأثنى الأستاذ صالح الموسوي على النقاش الجاد في الندوة والأطروحات العميقة التي بحثها المحاضر، كما ختمت مديرة الندوة الأستاذة فاطمة الشملان بمناقشة القراءة السائدة لنيتشة حول العدمية ورؤيته في الإلحاد وضرورة معالجة القراءات السطحية لفكره وخاصة في المنطقة العربية.

 

التغطية الإعلامية

 

المحاضرة الكاملة:

 

قد يعجبك أيضاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق أقرأ المزيد